ناصر بن الحسن الشريف الكيلاني

495

مجمع البحرين في شرح الفصين ( حكم الفصوص وحكم الفتوحات لابن عربي )

فهو حسبه كما هو حسبه . ولهذا كان خاتم الكمال ، وفاتح المقصود ، وما وراء ذلك إلا العدم المحض ، الذي ما فيه حق ولا خلق ، فافهم . فلا يأخذ الختم إلا من اللّه الحق ، ( فإنه لا يأتيه المادة إلا من اللّه ) ، من الوجه الخاص المختص به ، فلمّا قال : إن الرّوح شيث مهد الأرواح ، سوى روح الخاتم ، كان يوهم أن روح الختم لا يأخذ منه ولا يعطيه ، فاضرب عن هذا . وقال : ( بل من روحه تكون المادة لجميع الأرواح ) : أي بل يأخذ روح شيث وغيره من الأرواح من روح الخاتم ، قبل التعلّق بالأجسام ، وبعد التعلّق بها ، وبعد المفارقة عنها ؛ لأنه عين القلم الأعلى ، وله الأسفل والأعلى ، بل القلم من أجزائه ، كما قال صاحب البردة في قصيدته « 1 » : فإنّ من جودك الدّنيا وضرّتها * ومن علومك علم اللّوح والقلم جعل ما ظهر من اللوح والقلم من العلم : أي من بعض علومه صلى اللّه عليه وسلم ، وليس من مبالغة شعرية ، كما هي عادة الشعراء ، بل هي بيان واقع في نفس الأمر ؛ لأنهما جزئية صلى اللّه عليه وسلم ، بل أن اللّه قد أودع اللوح المحفوظ علمه في خلقه بما يكون منهم إلى يوم القيامة ، ولو سئل اللوح : ما فيك أو ما خطّ القلم فيك ؟ ما علم ذلك . وهكذا الأمر في الوارث الحقيقي ، وصاحب الأسوة التحقيقي ، ختم الختم ، فإنه ما فتح شيء إلا وقد ختم به . قال رضي اللّه عنه : فمن فهم عن اللّه وأنصف من نفسه ، فهم ما ذكرناه في بيان أخذ العلم الإلهي سابقا ، ومراتب الأخذ على ما قررناه لاحقا ، وعلم ما قلنا ، بل فهم ما بيّناه ، ومن تعسف وأعرض ولم ينصف ، وَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ [ التوبة : 87 ] .

--> ( 1 ) انظر : بردة المديح ( ص 139 ) .